أحمد ياسوف

87

دراسات فنيه في القرآن الكريم

كما أن دلالة « آثر » في القرآن الكريم أقرب إلى الذهنيات منها إلى المحسوسات ، أو هي اختيار بعد اختيار ، يقول أبو هلال العسكري : « الفرق بين الاختيار والإيثار أن الإيثار على ما قيل هو الاختيار المقدّم » « 1 » . ونقدم شاهدا يبين الفرق بين استعمال اليأس والقنوط في سياق القرآن الكريم ، قال عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ [ الممتحنة : 13 ] ، وقال تبارك وتعالى : * قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ الزمر : 53 ] ، وقال تعالى : وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [ الحجر : 56 ] . فالواضح أن سياق الآيات يبين تخصيص إسناد اليأس إلى الكفار ، مما يوحي بأن اليأس أعم من القنوط ، وهكذا تحول يأس الكفار من أصحاب القبور إلى مثل يضرب للاستحالة ، هذا المثل يشير إلى مقدار ما بلغ في نفوس الكفرة من إنكار البعث ، كما يوحي بأن اليأس أعم من القنوط لتحوله مثلا ، لكن سياق آيات القنوط يشير إلى تخصيصه باليأس من الرحمة ، فالقنوط أخص من اليأس ، وحينئذ لا يكون أقل منه شدة « 2 » . ويمكن أن ننظر في الآية الكريمة : وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [ هود : 44 ] ، لنرى تمكن الاستواء من السياق « فالاستواء يدل على الاستقرار أو الرسوّ

--> ( 1 ) الفروق في اللغة ، ص 101 . ( 2 ) انظر : الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن العظيم للشايع ، ص 278 ، وراجع جهوده إذ قدم للفروق القرآنية أربعة عشر مثلا مثل السبيل والطريق ، والخوف والخشية ، والقعود والجلوس ، مستفيدا من تفسير الفخر الرازي والزمخشري والراغب وأبي هلال .